فخر الدين الرازي

55

تفسير الرازي

فيكون توسيط ذلك الإضرار عديم الفائدة . فثبت أن التعذيب ضرر خالٍ عن جميع جهات المنفعة وأنه معلوم القبح ببديهة العقل ، بل قبحه أجلى في العقول من قبح الكذب الذي لا يكون ضاراً ، والجهل الذي لا يكون ضاراً ، بل من قبح الكذب الضار والجهل الضار ، لأن ذلك الكذب الضار وسيلة إلى الضرر وقبح ما يكون وسيلة إلى الضرر ، دون قبيح نفس الضرر ، وإذا ثبت قبحه امتنع صدوره من الله تعالى ، لأنه حكيم والحكيم لا يفعل القبيح ، وثانيها : أنه تعالى كان عالماً بأن الكافر لا يؤمن على ما قال : * ( إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) * ( البقرة : 6 ) إذا ثبت هذا ثبت أنه متى كلف الكافر لم يظهر منه إلا العصيان ، فلو كان ذلك العصيان سبباً للعقاب لكان ذلك التكليف مستعقباً لاستحقاق العقاب ، إما لأنه تمام العلة ، أو لأنه شطر العلة ، وعلى الجملة فذلك التكليف أمر متى حصل حصل عقيبة لا محالة العقاب ، وما كان مستعقباً للضرر الخالي عن النفع كان قبيحاً ، فوجب أن يكون ذلك التكليف قبيحاً ، والقبيح لا يفعله الحكيم ، فلم يبق ها هنا إلا أحد أمرين ، إما أن يقال لم يوجد هذا التكليف أو إن وجد لكنه لا يستعقب العقاب ، وكيف كان فالمقصود حاصل وثالثها : أنه تعالى إما أن يقال خلق الخلق للإنفاع ، أو للإضرار ، أولاً للإنفاع ولا للإضرار ، فإن خلقهم للإنفاع وجب أن لا يكلفهم ما يؤدي به إلى ضد مقصوده مع علمه بكونه كذلك ، ولما علم إقدامهم على العصيان لو كلفهم كان التكليف فعلاً يؤدي بهم إلى العقاب ، فإذا كان قاصداً لإنفاعهم وجب أن لا يكلفهم ، وحيث كلفهم دل على أن العصيان لا يكون سبباً لاستحقاق العذاب ، ولا جائز أن يقال . خلقهم لا للإنفاع ولا للإضرار ، لأن الترك على العدم يكفي في ذلك ، ولأنه على هذا التقدير يكون عبثاً ، ولا جائز أن يقال : خلقهم للإضرار ، لأن مثل هذا لا يكون رحيماً كريماً ، وقد تطابقت العقول والشرائع على كونه رحيماً كريماً ، وعلى أنه نعم المولى ونعم النصير ، وكل ذلك يدل على عدم العقاب . ورابعها : أنه سبحانه هو الخالق للدواعي التي توجب المعاصي ، فيكون هو الملجئ إليها فيقبح منه أن يعاقب عليها ، إنما قلنا إنه هو الخالق لتلك الدواعي ، لما بينا أن صدور الفعل عن مقدرة يتوقف على انضمام الداعية التي يخلقها الله تعالى إليها ، وبينا أن ذلك يوجب الجبر ، وتعذيب المجبور قبيح في العقول ، وربما قرروا هذا من وجه آخر فقالوا : إذا كانت الأوامر والنواهي الشرعية قد جاءت إلى شخصين من الناس فقبلها أحدهما وخالفها الآخر فأثيب أحدهما وعوقب الآخر ، فإذا قيل لم قيل هذا وخالف الآخر ؟ فيقال لأن القابل أحب الثواب وحذر العقاب فأطاع ، والآخر لم يحب ولم يحذر فعصى ، أو أن هذا أصغى إليّ من وعظه وفهم عنه مقالته فأطاع ، وهذا لم يصغ ولم يفهم فعصي ، فيقال : ولم أصغي هذا وفهم ولم يصغ ذلك ولم يفهم ؟ فنقول : لأن هذا لبيب حازم فطن ، وذلك أخرق جاهل غبي فيقال ولم اختص هذا بالحزم والفطنة دون ذاك ، ولا شك أن الفطنة والبلادة من الأحوال الغريزية . فإن الإنسان لا يختار الغباوة والخرق ولا يفعلهما في نفسه بنفسه ؟ فإذا تناهت